معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات

معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات

بقلم:عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي

بعد عقود من تراكم المؤلفات التونسية في الفلسفة، والتي صارت تمثل أساساً قوياً في بنية الثقافة التونسية، وبروز باحثين وباحثات كثيرين أغنوا حقل الفلسفة بدراسات عميقة ساهمت في ترسيخ أقدام هذا البلد الصغير في بيئة حداثية متنورة، هو الذي راهن منذ فجر الاستقلال على العقلانية والتقدم. بعد كل هذا آن الأوان لافتتاح معهد تونس للفلسفة على غرار بعض البلدان الأوروبية التي خاضت هذه التجربة وأخرجت الفلسفة من حيّز الجامعة الرسمي، لتكون ممارسة منفتحة على الناس باختلاف مواقعهم وميولاتهم وتكوينهم.

شمعة في الظلام

معهد تونس للفلسفة، الذي افتتح أواخر نيسان (إبريل) الماضي في “القصر السعيد” بضواحي العاصمة تونس، سيكون شمعة تضيء الظلام الذي يكتنف الواقع التونسي والعربي الغارق في كثير من الأوهام التي تستهوي أصحابها من المرتمين في أحضان الماضي السحيق، بملء الحاضر ببكائيات الظلامية المعادية للفكر الحر المنطلق نحو المستقبل.

وسيسعى المعهد الفريد من نوعه في وطننا العربي إلى “صياغة المعارف والأفكار والمفاهيم التي من شأنها تعميق الفلسفة والفكر الفلسفي بتونس والتعريف بهما”، وفق فتحي التريكي، وهو أحد مؤسسي المعهد صحبة ثلة من الأساتذة في الفلسفة.

وأضاف التريكي، في تصريح لـ”حفريات” أنّ المعهد سيعمل على “التقديم الدوري للمعرفة في شكل دروس مفتوحة للجميع بدون إشهاد على شكل ندوات مسترسلة، والتشجيع على الاهتمام بالفلسفة في تونس وبالفكر بوجه عام وعلى التأليف والنشر والتوزيع في هذا الميدان، بما في ذلك إحداث جوائز دورية في ميادين وموضوعات تحددها المدرسة، والتعاون مع الجامعات للتشجيع على البحوث المتعلقة بالفلسفة التونسية في الدكتوراه والماجستير، وإنشاء مكتبة مختصة بالتعاون مع الجهات المعنية تضم المنشورات الفلسفية للتونسيين، وإنشاء شبكة تواصل وشراكات بين الجمعيات والمؤسسات التي تهتم بالفلسفة في تونس وخارجها وخاصة في البلدان المغاربية”..

تنوير العقول ومحاربة التخلف

كان وراء تأسيس المعهد كل من الأساتذة؛ محمد محجوب، ورشيدة التريكي، ومحمد علي الحلواني، وحميد بن عزيزة، وزينب الشارني، وفتحي التريكي، وتم افتتاحه في 26 نيسان (أبريل) 2019 بمحاضرة قدمها المفكر التونسي، عبدالوهاب بوحديبة، عن “الفلسفة وأزمة الثقافة” استهلها بقوله “أعتبر أنّ الفلسفة في تونس وصلت إلى مرتبة المسؤولية وهي اليوم بين أياد أمينة، فهي النقد والنقاش مع العقل لفهم الأخطاء وتلافيها وأعتز بوجودكم حولي وبوجودي معكم لمناقشة أم الأزمات وهي أزمة الثقافة”.

وقال فتحي التريكي في تصريحه لـ”حفريات” إنّ الفلسفة منذ ستينيات القرن الماضي “لم تعد في الجامعات الأوروبية هي التي تجمع المعارف والعلوم كما كانت عليه في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ففقدت بذلك أوّليتها وزعامتها، ولم تعد تستجيب لتساؤلات الناس وهمومهم، فتقوقعت داخل برجها العاجي. ذلك ما جعل مثلاً الفيلسوف الفرنسي سارتر يفضل أن يكون خارج الجامعة، وجعل فوكو يرتبط بكولليج فرنسا، ودريدا يؤسس المعهد العالمي للفلسفة خارج أسوار الجامعة”.

وتابع: “كان لابد لنا في تونس التي عرفت ازدهاراً كبيراً في الفكر الفلسفي، أن نكوّن معهداً خارج أسوار الجامعة حتى تتصل الفلسفة بآلياتها ومفاهيمها مع هموم الناس. بذلك لن تموت الفلسفة، ولن تفقد أهميتها من ناحية، ومن ناحية أخرى ستساهم جدياً في تنوير العقول ومحاربة الجهل والتخلف”.

طموحات كبيرة وأهداف عديدة

ووصف التريكي المعهد بأنّه “مؤسسة خارج أسوار الجامعة، وفضاء تلتقي فيه كل الاتجاهات الفلسفية دون استثناء وكل تداخل وتعاون وحوار بين الفلسفة والآداب والإنسانيات والفنون والعلوم والتربية والتعليم والتكنولوجيا”.

وأوضح أنه “يهدف إلى تشريك المهتمين بالثقافة الفلسفية في النقاش العمومي حول مختلف القضايا التي تهم شعبنا ووطننا. فقصدنا صياغة المعارف والأفكار والمفاهيم التي من شأنها تعميق الفلسفة والفكر الفلسفي بتونس والتعريف بهما، كما يهمنا التشجيع على الاهتمام بالفلسفة في تونس وبالفكر بوجه عام”.

 

Share this post